الاستعمار .. وسوق الولاء والطاعة
أسم الكاتب : د. فيصل المناور

 

 

 

عاشت اوروبا في الفترة الممتدة ما بين القرن 14 حتي بداية القرن 16 حالة من التفكك والانقسام، وكان ذلك نتيجة تعدد الإمارات أو الدوقيات أو الممالك، والتي وصل عددها في ذلك الوقت لأكثر من 350 دوقية وإمارة ومملكة صَغِيرَة أو كبيرة، وكانت ابرز ملامح تلك الكيانات (الامارات، الممالك، الدوقيات) انها تدار بشكل إقطاعي أي أن الشخص الذي يتولى السلطة (الدوق، الملك، الامير) يسيطر بشكل مطلق على السلاح الذي كان يوزعه بنفسه على الجنود والموالين له، وهو أيضا من يقوم بتخزين الفائض منه. وكذلك كان هذا الشخص هو من يستولي على الاراضي بيحث تكون ملكيتها له، بالاضافة إلى ان الثروات تكون تحت تصرفه، فمثلا كانت "مملكة سالزبورغ التابعة للنمسا حاليا" تتمتع بثروة الملح والذي كان يستخدم في تركيب الأدوية والعلاجات في ذلك الوقت، حيث كان سعر أوقية الملح تعادل أوقية من الذهب، ويستخرج هذا الملح باسم الملك وتعود ايرادات بيعه له شخصيا، وهو أيضا (الدوق، الملك، الامير) من يسيطر على القضاء من خلال تعيين القضاة وهو يملك صلاحية عزلهم. وكانت تصدر القرارات باسم الحاكم على شكل مرسوم او امر او فرمان. ان ذلك النهج في ادارة تلك الكيانات بشكل منفرد او ان شئنا القول دكتاتوري لم يساهم في ضمان الاستقرار في اوروبا بل قسمها وفككها وزاد من الصراع فيما بينها.

وعندما توحدت بريطانيا وشكلت جيوشها واسطولها وأصبحت المملكة التي لا تغيب عنها الشمس كتعبير بأنها دولة استعمارية عظمى، استخدمت نفس الأسلوب لإدارة مستعمرتها الذي كان معمول به في اوروبا قبل نحو 6 قرون مضت، ففي الهند مثلا استخدمت نظام "المهراجات- جمع مهراجا او سلطان" فقسمت الهند الى إقطاعيات وكل إقطاعية يملكها مهراجا واحد، زودته بالسلاح والمال والعسكر ودعمته للسيطرة على الاراضي والثروات وكان هو من يعين قضاة الإقطاع ويعزلهم. فأصبحت بريطانيا تتعامل مع نحو 70 مهراجا بدلا من ان تتعامل مع نصف مليار إنسان هندي في ذلك الوقت، ولذلك سهلت على بريطانيا السيطرة على الهند والتلاعب بحكامها، وتدارك بعد ذلك غاندي الامر ليقوم بتوحيد الهند ولكن تلاعب به البريطانيون بإثارة الطائفية بين الهندوس والمسلمين لتنشأ ثلاث دول وهي الهند وباكستان وبنغلادش.

اما في ماليزيا شكلت بريطانيا عدد 7 سلاطين يحكمون الإقليم الماليزي بنفس الأسلوب الذي كان في اوروبا المشار إليه سلفا، ولكن ماليزيا بوعي النخب التي تعيش فيها استطاعت ان تواجه هذا الأسلوب الساعي لتفكيك الدول والأقاليم بإعلان الاتحاد الماليزي في أواخر الخمسينات من القرن الماضي تحت قيادة رئيس وزراء منتخب، لكي تقضي على الاستعمار وألاعيبه الخبيثة، وواصلت بريطانيا سعيها كمستعمر لتفكيك الدول والكيانات حتى حطت رحالها في اليمن الجنوبي فقسمته الى عدد 7 سلطنات لكل سلطان منهم الدعم اللازم لتفكيك كيان اليمن الجنوبي فكان هناك سلطان في حضروموت له علم خاص وعسكر وسلاح وسيطر السلطان على أراضي الإقليم وثرواته، وكان هناك اخرون مثل سلطان المهره وسلطان شبوه وسلطان ابين وغيرهم، واحتفظ البريطانيون بعدن كمركز لهم لدعم السلاطين والتلاعب بهم. ولكن بعد ذلك قامت الثورة الماركسية في اليمن الجنوبي التي استطاعت ان توحده وتنهي حكم السلاطين.

اما في الخليج استطاعت بريطانيا ان تثبت اُسلوب حكم المشيخات المستنسخ من التجربة الأوروبية لتسيطر على الموقع الجغرافي الهام الذي كانت تتمتع به ومن ثم ثرواتها، ولكن بعد ذلك قام الشيخ زايد بتوحيد الامارات السبع تحت حكم دولة اتحادية، وتوسع الملك عبدالعزيز الذي كان يعتبر بنظر البريطانيين سلطان نجد والحجاز بضم عسير وتبوك ليعلن بعدها المملكة العربية السعودية، اما الكويت والبحرين وقطر بقيت إمارات صغيرة تحكم بأسلوب المشايخ حتى تحولت بعد ذلك الى دول مستقلة.

الشاهد من ذلك بأن مفهوم الدولة لا يقوم على احتكار السلطات والسلاح والقوى التي تحمل هذا السلاح (الأجهزة الأمنية والعسكرية) والقضاء والإعلام فهي بذلك الشكل لا يمكن إطلاق عليها مفهوم دولة فهي في حقيقة الامر مجرد دوقية او إمارة او مملكة تعيش عصر الظلام الاوروبي، لان الدولة بشكلها المعاصر تكون فيها ملكية الثروات للشعب الذي تديره مؤسسات منتخبة، والأراضي تكون ملك للمحليات والمدن وليس لذلك الحاكم او الدواوين المسؤولة عن ادارة شؤونه، وان السلاح والمؤسسات القائمة عليه تكون تحت تصرف مؤسسات تشرف عليها كيانات منتخبة، وان الاعلام يكون حر لمن يريد ان ينشأ صحيفة او قناة تلفزيونية بعيدا عن سلطة ذلك الشخص وقيوده، باختصار هكذا تكون دولة المؤسسات التي استطاعت ان تستعمر تلك الإقطاعيات او الدول المفككة، بل وتقدمت وأصبحت قوى صناعية وسياسية واقتصادية عظمى، ولَك عزيزي القارئ ان تميز هل نحن نعيش في مجتمعات الإقطاع الاوروبي ام مجتمعات تحكمها المؤسسات؟