العفو والتسامح وحتمية القفزة التاريخية
أسم الكاتب : د. عبدالله سهر

شعوب كثيرة دخلت في صراعات دامية حصدت منها أرواح أبنائها وأكلت من مواردها وأتت على أخضرهاويابسها، تقاتل الأوروبيون على مدى ثلاثة قرون ونيف انتهت بحربين عالميتين، ذهب ضحيتهما أكثر من ستينمليونا، هذا غير تدمير مدنها العامرة وقلاعها التاريخية ومصانعها الزاهرة، وهكذا هي حال الشعب الأمريكيالذي ادخلهم سرات التعصب في أتون حرب اهلية حصدت منهم ارواح مئات الآلاف، ناهيك عن أضعافهم منالجرحى والمشردين والثكلى، وهكذا الحال في الحروب الأهلية الأخرى مثل الصينية والإسبانية والروسية وغيرها،وعلى الرغم من ذلك استطاعت تلك الشعوب والأمم ان تقوم بالقفزة التاريخية التي خرج منها الجميع من جدلياتالماضي الى فسحة حوار المستقبل، فنجحوا في بناء دولهم ورخاء مجتمعاتهم. 

في بحر السياسة أمواج إذا تعالت فلا سبيل لركاب السفينة إلا خيار التسامي على خلافاتهم ومراتبهم لمكافحةالخطر الأعظم.

هكذا هي سنة الحياة لأولي الألباب، فالعيش في خلافات الماضي لبحث دليل إثبات يدين الآخر هو انشغال لايمكن أن تستوعبه مرحلة التحديات والأخطار.

 ولنتذكر بأن أول من قام بهذه القفزة التاريخية هو خاتم الأنبياء والمرسلين عليه وآله أفضل الصلاة والتسليم بعدفتح مكة حينما اطلق عبارته الخالدة: "اذهبوا فأنتم الطلقاء". 

بعد تلك المقدمة، نحن في الكويت، كأمة وليس كأفراد، نحتاج إلى تلك القفزة التاريخية كي نستطيع أن نواجهمستقبلا حافلاً بالتحديات ومخاطر الوجود. إننا بحاجة حتى يعود أبناؤنا ورجالنا وشبابنا إلى حضن الوطن، وأنيمضي جميع من عوقب بتهم سياسية إلى حريته، وألا يزدري بعضنا بعضاً تحت غطاء تصنيفات بالية، وأن يقبلكل منا الآخر كشركاء في بناء هذا الوطن، وفي ظل ما أجمع عليه الكل من إطار دستوري جامع. 

في الوقت الراهن، لسنا بحاجة للخوض في شرائك الخلافات التي لن يقتنع بها أطراف الخصام مهما حدث، ولنيجدي ذلك الجدل نفعاً بل لن يقود ذلك إلا إلى حبس أنفسنا في دهاليز ماضٍ لن نستطيع  تغييره. إن الشيءالوحيد الذي نستطيع تغييره هو المستقبل، وهذا الشيء يتطلب من الجميع أن يعي بأنه لا يستطيع إقصاء الآخرأو تحجيمه أو حتى الاستغناء عنه خاصة في مرحلة التحديات التي نحتاج فيها الى كل فكرة وتدبر حكيم وجهودمجدية وقطرة عرق جبين شريفة.

نحتاج إلى أن نقفز من التاريخ بدلا من العيش في أتونه، نحتاج إلى أن ننسى لأن النسيان رحمة ونعمة من الله. علينا أن نقفز من تاريخ وجيز جدا مقارنة بما شهدته المجتمعات الأخرى من قتل وتدمير. وكي لا نرهق أنفسنابنزاع أكثر مما نحن فيه وحتى لا تذهب ريحنا، علينا أن نقفز إلى رحاب مرحلة جديدة نتخلى فيها عن كثير منأحكامنا السياسية السابقة تجاه بعضنا البعض، وإن لم نستطع فلا بأس أن نصطنع. أدرك تماماً أن ذلك صعبعلى بعض الناس لأسبابهم المبتلين بها، ولكن في الوقت ذاته يمكن أن نتخلى عن حرب الصراع لتستبدل بتصافحالتنافس. وبهذا يحتفظ كل منا بما يراه من قيم سياسية تحكم سلوكه، وفي ذات الوقت نحترم جميعاً قيم الآخرلكي ننصهر جميعاً في بوتقة حضارية تقاوم التصدعات الآتية من تحديات جديدة لم يشهد لها التاريخ مثيلاً.